مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

14

تفسير مقتنيات الدرر

وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ » « 1 » ولا يلزمنا هذه التكلَّفات وقد سمّاه اللَّه تعالى الروح قال : « نَزَلَ بِه ِ الرُّوحُ الأَمِينُ » « 2 » ثمّ إنّه قال : « إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا » ولا يليق ذلك لجبرئيل . واختلفوا في أنّه كيف ظهر لها أي بصورة أيّ إنسان . قيل : إنّه ظهر لها بصورة شابّ أمرد حسن الوجه سويّ الخلق . وقيل : ظهر لها بصورة ترب لها اسمه يوسف من خدم بيت المقدس ولا دلالة في اللفظ على التعيين فانتصب بين يديها جبرئيل بصورة آدميّ صحيح لم ينقص منه شيء فلمّا رأته مريم أنكرته فاستعاذت باللَّه منه . [ قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ] أرادت إن كان يرجى منك أن تتّقي اللَّه فإنّي عائذة باللَّه منك لأنّها علمت أنّ الاستعاذة تؤثّر في التقى كقوله « وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » « 3 » أي شرط الإيمان يوجب هذا . وقيل : معناه إن النافية أي ما كنت تقيّا حيث استحللت النظر إليّ وخلوت في منزلي . وقيل : إنّه كان في ذلك الزمان إنسان فاجر اسمه تقيّ يتبع النساء فظنّت مريم عليها السّلام أنّه هو ذلك التقيّ . وهاهنا بحث وهو أنّه جاء في الأخبار أنّ جبرئيل عليه السّلام شخص عظيم الجثّة فذلك الشخص العظيم كيف بصر بدنه في مقدار جثّة الإنسان أبأن تساقطت أجزاؤه وتفرّقت بنيته فحينئذ لا يبقى جبرئيل أو بأن تداخلت أجزاؤه وذلك توجب تداخل الأجزاء والأجسام وهو محال فكيف الأمر ؟ والجواب أنّه لا يمتنع أن يكون جبرئيل له أجزاء أصليّة وأجزاء فاضلة والأجزاء الأصليّة قليلة فيكون متمكّنا من التشبّه بصورة الإنسان وهذا إذا جعلناه جسمانيّا أمّا إذا جعلناه روحانيّا فأيّ استبعاد في أن يبدو تارة بالهيكل العظيم وأخرى بالهيكل الصغير . والحاصل فلمّا سمع جبرئيل عليه السّلام منها هذه الاستعاذة [ قالَ ] لها :

--> ( 1 ) الواقعة : 88 ، 89 . ( 2 ) الشعراء : 193 . ( 3 ) البقرة : 278 .